ابن أبي أصيبعة
487
عيون الأنباء في طبقات الأطباء
وغيرهما وجمعوا خمسين دينارا واشتروا منه شربة من ذلك الدواء وانفرد كل واحد منهم بجزء يشمه ويذوقه ويكتب ما تأدى إليه منه بحسه ثم اجتمعوا واتفقوا على ما حدسوه وكتبوا ذلك ثم نهضوا إلى الحراني وقالوا له قد نفعك الله بهذا الدواء الذي انفردت به ونحن أطباء اشترينا منك شربة وفعلنا كذا وكذا وتأدى إلينا كذا وكذا وكذا فإن يكن ما تأدى إلينا حقا فقد أصبنا وإلا فأشركنا في علمه فقد انتفعت فاستعرض كتابهم فقال ما أعديتم من أدويته دواء لكن لم تصيبوا تعديل أوزانه وهو الدواء المعروف بالمغيث الكبير فأشركهم في علمه وعرف من حينئذ بالأندلس أحمد وعمر ابنا يونس بن أحمد الحراني رحلا إلى المشرق في دولة الناصر في سنة ثلاثين وثلاثمائة وأقاما هنالك عشرة أعوام ودخلا بغداد وقرآ فيها على ثابت بن سنان بن ثابت بن قرة الصابئ كتب جالينوس عرضا وخدما ابن وصيف في عمل علل العين وانصرفا إلى الأندلس في دولة المستنصر بالله وذلك في سنة إحدى وخمسين وثلاثمائة وغزوا معه غزواته إلى سنة اثنتين وانصرفا وألحقهما في خدمته بالطب واسكنهما مدينة الزهراء واستخلصهما لنفسه دون غيرهما ممن كان في ذلك الوقت من الأطباء ومات عمر بعلة المعدة ورمت له فلحقه ذبول من أجلها ومات وبقي أحمد مستخلصا وأسكنه المستنصر في قصره بمدينة الزهراء وكان لطيف المحل عنده أمينا مؤتمنا يطلعه على العيال والكرائم وكان رجلا حليما صحيح العقل عالما بما شاهد علاجه ورآه عيانا بالمشرق وتوجه عند المستنصر بالله لأن المستنصر كان نهما في الأكل وكان يحدث له في أكله تخمة لكثرة ما كان يتناول من الأكل وكان يصنع له الجوارشنات الحادة العجيبة وكان وافقه في ذلك موافقة وأفاد مالا عظيما وكان ألكن اللسان رديء الخط لا يقيم هجاء حروف كتابه وكان بصيرا بالأدوية المفردة وصانعا للأشربة والمعجونات ومعالجا لما وقف عليه قال ابن جلجل ورأيت له اثني عشر صبيا صقالبة طباخين للأشربة صناعين للمعجونات بين يديه وكان قد استأذن أمير المؤمنين المستنصر أن يعطي منها من احتاج من المساكين والمرضى فأباح له ذلك وكان يداوي العين مداواة نفيسة وله بقرطبة آثار في ذلك وكان يواسي بعلمه صديقه وجاره والمساكين والضعفاء وولاه هشام المؤيد بالله خطة الشرطة وخطة السوق ومات بحمى الربع وعلة الإسهال وخلف عما قيمته أزيد من مائة ألف دينار